ابن تيمية
15
منهاج السنة النبوية
الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا نَوْعًا وَاحِدًا ( 1 ) ، وَيَجْعَلُونَ الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا وَالْغَضَبَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ، وَطَائِفَةٍ مِمَّنْ يُوَافِقُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ . وَأَمَّا جُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ( 2 ) ، فَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَبَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا ، فَيَقُولُونَ : إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ فَهُوَ لَا يُحِبُّهَا وَلَا يَرْضَاهَا ، بَلْ يُبْغِضُهَا وَيَسْخَطُهَا وَيَنْهَى عَنْهَا ، وَهَؤُلَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَبَيْنَ مَحَبَّتِهِ . وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ قَاطِبَةً . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّ خَالَفَهُمْ فَجَعَلَ ( 3 ) الْإِرَادَةَ هِيَ الْمَحَبَّةُ ( 4 ) ، فَيَقُولُونَ : مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، فَكُلُّ مَا شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ خَلَقَهُ . وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَمْرِهِ ( 5 ) ، فَمَا أَمَرَ بِهِ فَهُوَ يُحِبُّهُ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ ( 6 ) عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ لَوْ قَالَ : ( 7 )
--> ( 1 ) وَهُمُ الَّذِينَ يُوَافِقُونَ الْقَدَرِيَّةَ . . . وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا نَوْعًا وَاحِدًا : بَدَلُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ جَاءَ فِي ( ن ) ، ( م ) : وَهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْإِرَادَةَ نَوْعًا وَاحِدًا . ( 2 ) وَغَيْرِهِمْ : سَاقِطٌ مِنْ ( ب ) ، ( أ ) ، ( م ) . ( 3 ) م : وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ خِلَافُهُمْ فَجَعَلَ ، ن : وَأَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ خَالَفَتئْهُمْ فَجَعَلَ . ( 4 ) عَلَّقَ مُسْتَجَى زَادَهْ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ : " وَقَدْ رَأَيْتُ فِي كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْكُفْرَ وَيَرْضَاهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَهُ - تَجَاوَزَ اللَّهُ [ عَنْهُ ] - آرَاءً مُتَبَايِنَةً فَيُصَرِّحُ فِي تَأْلِيفٍ لَهُ بِعَقِيدَةٍ وَفِي تَأْلِيفٍ آخَرَ بِعَقِيدَةٍ مُتَبَايِنَةٍ لَهَا فَصَرَّحَ فِي الْإِرْشَادِ : أَنَّا نَدِينُ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنَّ الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ لِلْعَبْدِ لَيْسَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرٌ فِيهَا ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحْضُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِيجَادِهِ وَصَرَّحَ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ بِأَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً وَتَأْثِيرًا فِيهَا ، حَتَّى أَنَّ شَارِحَ " الْمَقَاصِدِ " أَنْكَرَ وُقُوعَ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ احْتِجَاجًا بِكَلَامِهِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَلَعَلَّهُ لَمْ يَرَ الرِّسَالَةَ النِّظَامِيَّةَ ( 5 ) ب ، أ : فَهِيَ مُنْفَعِلَةٌ مِنْ أَمْرِهِ ، ن ، م : فَمُتَعَلِّقَةٌ بِأَمْرِهِ ( 6 ) ب ، أ ، ن : الْعُلَمَاءُ . ( 7 ) ب ، أ : إِذَا قَالَ .